علي محمود خضير
منزل الضوء

في حوار لجريدة الزمان، علي محمود: صراع الاشكال الشعرية فارغ

 

 

عن جريدة الزمان الدولية

حواره - مصطفى حميد


يزخر المشهد الشعري وتحديداً في البصرة بالكثير من الأسماء، وهذا يؤكد ان ثمة أسماء شعرية تسعي حثيثاً لترك بصمة مؤثرة، وهي تؤسس لمشهد شعري يقوم علي التجديد ، واحد من هذه الأسماء التي تميزت، علي محمود خضير الذي كتب نصوصاً شعرية متميزة ومجددة وجريئة. علي محمود خضير حل ضيفاً علي طاولة الحوار للحديث عن كيفية تعاطيه الشعر، وكيف يمنح النصوص التي يكتبها خصوصية خارج اطر التقليد ومن
هنا كانت البداية.

 
 ولدت في زمن الأوضاع المضطربة والمأسوية كيف وجدت نفسك شاعراً؟

- لم اخطط لذلك، كتبت الخواطر ككل الناس وكنت اسميها شعراً! لكني كنت احتفظ بها لنفسي، تطور الأمر
بمرور الوقت، لكني حافظت علي عدم النشر، صدمة الحرب الأخيرة جعلتني أتجرأ لأعلن ماكتبت وكأنها ردة فعل جراء ما مر بي من صراع حاد قبل وأثناء وبعد الحرب لأني عشت أجواء نفسية صعبة فيها، زاولت الشعر ليس بحثاً عن وجاهه بقدر ما وجدته قدر ومصير، اكتب لأحقق توازني الداخلي أو لاُسكت ما في داخلي من أصوات.أحيانا تتشبث بأشياء تجعل وجودك في الحياة منطقياً
 
 
شاعر كلمة خطيرة، برأيك هل ثمة خصوصية إبداعية حتي يستطيع من يكتب الشعر أن يصل إلي المرحلة التي يمكنه ان يقول فيها انه شاعر؟ وما رأيك بالأعداد الهائلة للشعراء؟

-أوافقك تماماً، من الظواهر الثقافية التي نعاني منها الاستسهال في منح الألقاب ، لا يحتاج الأمر منك سوي أن تعرف محررا ثقافياً أو أن تدخل نصا ً كتابياً علي مواقع ومنتديات الانترنت (المستنسخة) لتصبح شاعراً وربما شاعراً مبدعاً أو شاعرة مبدعة ، من يدري؟ خاصة إذا نشرت مع النص (صورة طاغية الأنوثة) فهي من أهم متطلبات النجاح الآن، هذه الظاهرة انتشرت للأسف وتحتاج إلي دراسة، وقد جاءت جراء غياب النقد الحقيقي إضافة إلي ضياع المعايير المهنية في اختيار محرري الصفحات الثقافية، أما خصوصية الإبداع ليست صعبة، ان تكون موهوباً لا موهوماً وان تقرأ وتتواضع! عدم الرضا عن النفس والتواضع من أسرار النجاح إضافة إلي المثابرة علي القراءة الدائمة والاطلاع علي ثقافات الأمم وتنوع المتابعة للفنون كافة
 
 
كتبت الشعر منذ وقت مبكر، هل استطعت أن تتفوق علي الجيل الذي سبقه والذي جاء بعده؟

- سؤال التفوق لا يشغل بالي كثيراً، لا أفكر في منافسة احد ، يهمني أن أتفوق علي نفسي،
علي النص الأخير الذي كتبته، وان لا أرضي عن نفسي، والزمن كفيل بالباقي.
 
 

* انت شاعر، وتكتب المقالات التي تقدم فيها بعض الطروحات الجريئة والمتميزة ما تعليقك علي ذلك؟ 

-الشاعر الحقيقي من واجبه أن يكون مثقفا شاملا تمتد طروحاته لمناقشه ونقد كل ما يدور حوله، لا أؤمن ان الشاعر عليه ان يكتب الشعر فقط ، نحن أحوج ما يكون إلي طرح الأسئلة لما يدور حولنا ومحاكمة الواقع الذي نعيشه والذي نحن مسؤولون عنه، الأديب والمفكر والباحث مسؤول بالفطرة عن العالم من حوله، إضافة إلي ذلك، إذا لم تحمل طروحاتك الجرأة فلا فائدة منها، إذا لم تكن عميقاً وجريئاً سيبقي عملك مخفقاً.

 برأيك أين يكمن الخطاب الشعري إزاء ثقافة ما بعد الاحتلال؟

-التعمق باكتشاف كتابة جديدة وفتح أفاق لشعر يمثل المرحلة ويهضمها، يستفاد من الواقع ويفسره يسأله ينقده يهدمه ويعيد صياغته، علي الشعراء أيضا الالتفات إلي الشعر الذي يربي ثقافة تمجيد الحياة بعد ما شبعنا من ثقافة الموت ولغتها الظلامية، كتابة شعر يكشف ويحرر القيم الجمالية في الإنسان والطبيعة من حوله التي ظل شعرنا العربي بعيداً عنها غارقا بمدح السيف والرمح والدم حتي ترسخت ثقافة العنف وابتلعتنا، إضافة إلي مراجعة منجز الأجيال السابقة، علينا أن نسأل أنفسنا ماذا سنقدم نحن إزاء ما قدموه من سبقونا.
 

 طيب ما هو دور الأديب والمثقف إزاء متغيرات الواقع الراهن؟

دوره مواجهة ارض الواقع ونقد ما حصل علي الأرض العراقية وأسبابه، لأننا مسؤولون بشكل غير مباشر وربما مباشر عنه، علينا ان نهدم الموروث الذي قادنا للهزيمة الإنسانية والطائفية والاحتراب والمحنة التي عصفت بالبلد، لان كل ما حصل له جذر معرفي ثقافي، كل ما يجري هو جراء الجهل المركب، جراء الوعي الثابت عند المجموع والذي يجب ان يتغير لأنه وعي جاء بالكوارث، جراء تقصيرنا جميعا أمام الواقع، استغرب ان تحصل لنا كل هذه الفضائع وهناك من يسكت من المثقفين، خاصة الكبار منهم، لنا أن نسأل: لمن يتركون الساحة فارغة ويجلسون في بيوتهم صامتين؟
 

القصيدة العمودية وقصيدة النثر أشبه ما يكون بينهما ثمة صراع، برأيك هل حقا انتهي زمن القصيدة العمودية وهل ان القصيدة الحديثة هي الأكثر تأثيرا في المشهد الشعري الآن؟

- إذا كان هناك من صراع فهو صراخ فارغ من متعصبي الشكلين الشعريين، صراخ بعيد عن
لغة النقد والحوار الثقافي مجرد استعراض لتهم وشتائم مبطنه مضحكة، لكن هذا الموضوع صار اقل حدة، اقرأ الآن قصائد نثر لشعراء العمود، أنا اعتقد ان القصيدة الحديثة لها قدرة التعبير عن الراهن وما ورائه، المحلي والعالمي، البسيط والمركب، لمرونتها وحريتها الباذخة الشاقة!
اعتقد إن الزمن في صالح قصيدة النثر العربية بشكليها العربي والأوربي إذا ما احترم كتابها هذا الفن ولم يستسهلوه، لأنه فن صعب وصارم، يخطأ من يتهمها بأنها مجرد كلام لأنه سيكشف حينها عن جهله وفقر معرفته، كذلك أنا لست مع الإلغاء، لأنه فعل يليق بالأصوليين لا المثقفين، الفضاء الشعري واسع ويسمح بالتجاور والتعدد يعطينا التنوع، ليكتب من يشاء ما يشاء شرط أن يجيد.
 

 هل يصلح الشعر أن يكون حمال قضايا؟

- إذا كانت القضايا أيدلوجية فأن الشعر سيكون الخاسر لا محالة، الايدولوجيا تجعل الشعر أداة، الشعر عليه ان يخلص لنفسه، نحن نفرط كثيراً في تحميل الشعر ما لا طاقة له به، ونطالبه وحده بالتغيير، الشعر لا يوقف الآن حرباً، هذا وهم، الشعر ليس وحده في حركة المجتمع، هو جزء من منظومة كاملة يجب أن تتحرك كلها لتحقيق تغيير كهذا، المنظومة الفكرية والاقتصادية والسياسية وحتي البنية النفسية كلها بالمجموع لها أن تحمل قضية والشعر من مكانه سيكون مؤثراً بالتأكيد.

 اعود اليك شاعرا فعلي ماذا تعتمد شاعريتك!!؟

- تعتمد علي مستويات مختلفة من المرجعيات والتأثيرات التي أحاول ان تكون متوازنة، أنا الآن في الألفية الثالثة إنسان جزء من العالم بأجمعه (هكذا سيزعل مني أصدقائي الشعراء الذين يدعون لكتابة شعر خاص بالعراق فقط!) لذا أفكر ان عليّ أن استفاد من تجارب العالم في صياغة مفهوم كتابة شعرية جديدة، وعلي مستويات فكرية مختلفة في قدرتها علي التلقي، كذلك فكرة الفرد بوصفه فرداً، لان شعرنا العربي اهتم كثيراً بالمجموع المطلق، أحاول ان اكتب قصائد بأصوات مفردة، وان أعيد صياغة بعض المفاهيم الثابتة والتصورات الجاهزة في طرق التعبير الشعرية، شكلاً وتلقياً هذا يحتاج إلي جهد خاص وربما إلي بعض التجريب والمراهنة! الحياة و ما ورائها هي اعتمادي لكني أتناولها بجانب ايجابي.
 

* هل تستفيد في كتابة الشعر من الموسيقي أو الفن التشكيلي والفنون الأخري وتوظفها في قصيدته؟

- لا شك في ذلك، تداخل الفنون مهم جداً للشاعر الناجح ، الفنون الأخري تساعدك علي رفع الحس الجمالي في ذائقتك وإحساسك بالأشياء بتنوع المعرفة، الثقافات الأخري تمنح وعياً مضاعفاً ، للأسف هذا الأمر يهمله الكثيرون، أنا أميل للسينما خاصة ما يعرف بالسينما النفسية.
 هل توجه قصائدك إلي النخبة أم الناس؟

- السؤال مهم، أنا لا اقرأ المسائل بهذا التصور الصارم، يُخيل لي إننا دائماً إزاء هذا الموضوع نضع أنفسنا أمام خيارين وحيدين، فنُعقد المسائل ونخلق نوع من التحزب أو التكتل، أنا أوجه قصيدتي للمتلقي المفرد لا أفكر في (النخبة) ولا (الجمهور)، ادرس النصوص جيداً وكل نص وراءه مشروع ما، قد أضحي أحياناً ببعض مستلزمات (نخبوية النص) لتحقيق غرض معين في داخلي يخدم مشروع النص وقد يحصل العكس، أحاول ان انجح بمعادلة (شبة مستحيلة) في كتابة نص قريب من الفهم الثقافي (المتوسط) إن صح التعبير لا يفقد الكثير من مقومات الرصانة الشعرية التي تقنعني، وبالنهاية أؤمن إنني لن أجد إجماعاً بالرفض أو القبول علي نص ما، لذا اكتب ما أحسه وما يعبر عني دون القلق من النقد أو الانتقاد.

* ما هي المواصفات والخصوصية التي ينبغي ان تتوافر عليها قصائد الشاعر علي محمود
خضير لتمثل مجموعته الشعرية؟
أنا متطلب وصعب الاختيار لا أريد ان ينتابني ارتباك البدايات، أريد ان استحكم علي 
خصوصية وصوت وبصمة شعرية، ابحث بإخلاص حتي لا أكون رقماً متشابهاً، احلم بنص يتجاوز زمان كتابته والمكان، نص يؤثر بقارئ يعيش في البصرة ويحسه أيضاً ( آخر) يعيش في إفريقيا مثلا، نحن في عالم واحد، يأخذني أيضاً موضوع الشعر الصافي، الجوهري، أو نواة الشعر كما يسميه عباس بيضون، الاختلاف والتميز يهمانني كثيراً.
 
الخطاب النقدي إزاء الخطاب الإبداعي وتحديداً الشعري، ما رأي الشاعر بذلك؟

 صراحةً، عدا بعض الأسماء النادرة لا يوجد لدينا خطاب نقدي بالمعني الاحترافي للمصطلح، هي مجموعة انطباعات خاضعة لمرجعيات (شخصية أو علاقاتية)، النقد مقصر في منجزه ومتأخر عن حركة الشعر الراهن في العراق خاصة منجز ما بعد 2003 ما سمح للشعر الرديء ان ينمو، الأسوأ من ذلك بعض النقاد الموهومين الذين لا هم لهم سوي توزيع الألقاب علي جميلات الكتابة! يكفي ان تنشر احدي الحسناوات صورة جميلة بصحيفة أو منتدي لتستوفي شروط الإبداع فتجد العشرات من هؤلاء يسارعون إلي إبداء نقدهم الموضوعي للصورة المنشورة! هذا حال نقدنا المخجل، كنت قد طالبت الشعراء الشباب أن يتصدوا للنقد بعد ان يئست من أولي الأمر.

 إلا تعتقد ان الشعر كفن تراجع أمام الفنون الأخري وأمام نفسه؟

- الشعر لم يتراجع، والشاعر الجيد يجب ان لا يُسلم بالأقوال الجاهزة ويستكين، إذا كنت تقصد القصائد الرديئة في الصحف والانترنت التي أصبحت كأكداس القمامة في مدننا فهي ظاهرة ليست بالغربية، الرداءة سمة اغلب الفنون حالياً، انظر إلي الفنون الموسيقية ما نوع الأغاني السائدة اليوم؟ ما نوع الأفلام السائدة اليوم؟ كذلك الأمر لباقي أنواع الأدب اقرأ كل يوم قصص وفصول من روايات سيئة مثلما اقرأ قصائد نثر وتفعيلة وعمود سيئة لكن الجيد موجود لمن يتقصاه، السبب في تردي الذائقة الجمعية نتيجة الفراغ الفكري الثقافي والجهل المركب إضافة إلي الشعور العميق باللا جدوي جراء التجارب القاسية التي مر بها الفرد
والمجتمع لكن هذا لا يبرر الركون والاستسلام والعزلة عن المجتمع، لا بأس من بعض الشجاعة والإيمان بقدر المثقف والشاعر والذي تطوع لهذه المشاق بسبب ضميره الإنساني لا
غير.
 
رأيك بموضوعية ما قدمته لحد الآن من منجز؟

غير مقتنع به، لا زلت في البداية، أحس إنني لم اقل شيئاً بعد.

 

الحوار بصيغة pdf من موقع الجريدة على الانترنت.

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


Google