جان مو وعلي نوير كل ذلك لأنهم يهمون لكي يروا الحقيقة رغم الانكسار ، يتقاسمون القلق ، كيما تحتشد مرافئ الليل علي أبوابهم ، ولعله أحمد العاشور أراد أن يطل من مرآة هذا الانكسار الجميل إلي مرايا غابات الماء! لكن طالب عبد العزيز الذي ما يزال جالسا علي (أريكة من شجن) يشير إلي أول طينه : الماء ، كما أن مقداد مسعود الذي يتساءل مع (هاملت) " كيف.. كيف أكون ؟ " كان يعيش في حليب سطوعه ويتنفس أجنحة الشمس في يوم ما حيث كانت له " أجنحة ثم انتزعتها منه الجبال المخنثة بالمصاعد المحصنة بأربع نجوم "!.. هكذا يهيم شعراء الماء ؛ كأمراء وصعاليك في آن معا ، لأن المكان يحتمل ذلك ، ولأنهم يبتكرون له زمنا أيضا ؛ مهما بعد أو تلاشي ، طالما أن الشاعر عادل مردان مثلا ، مازال يغازل _ جان دمو - من خلال _ أرضه المجنونة _ التي تحتوي علي "ثاني أوكسيد البيجاما " متفاديا " سائق القاطرة" علي نوير الذي لم يصحُ بعد "بين نقطتين غائمتين وهياكل هاربة وكمائن تنتظر" وها هو "ينان مصلوبتان إلي خطين لا يلتقيان"..
قراءة: حسين الهاشمي
هل بوسعها أن تكشف عن مديات هذا العالم الشعري متعدد الفضاءات والحساسيات والتجارب ؛ ذلك ربما ما يتبادر إلي الذهن لأول وهلة وبعد المرور علي عنوان جميل ومهيب لهذه الانطولوجيا. وربما نتساءل أيضا ما الذي يدعو حقا للولوج في غابات الماء في هذا الوقت تحديدا , وهل هي بداية المغامرة المفتقدة والتي ظل الشاعر العراقي يحنّ طويلا لسماع وقع خطاها الحقيقية , بعد أن كان يوهم نفسه كثيرا بأنها قادمة ؛ بعد مخيبات هنا وهناك علي أثر محاولات انتقائية مجحفة أريد لها أن تحيل صورة المشهد الشعري العراقي وكأنها مقرونة بحفنة من الأسماء لا غير , تعلوها هالة (مقدسة) لا يمكن النظر أبعد منها , أو كأن الزمن الشعري قد توقف عندهم أو مات بلا رجعة !. هل نحن بحاجة إلي انطولوجيا جديدة وحقيقية تسبر غور المشهد الشعري العراقي فتمنحه سمة _ التصدير _ شكلا ومحتوي , بدلا من سمة _ الاستيراد _ الشاحبة والمضغوطة بلا آفاق ومديات رحبة من فرط مزاجياتها وانتفاخها غير المبررة في المفهوم الإبداعي والإنساني الكبير ؟.. ورغم علمي أن أي توثيق في هكذا جهد محتمل ؛ لا يمثل البصمة النهائية لمشهد غاية في التعقيد والأهمية والاتساع , فان الحاجة لكذا مبادرات تبقي ملحّة وقائمة ؛ بغية كسر ضبابية التواطؤات والاتفاقات (المقدسة) وإزاحة الحجب عن وجه طالما تعرض للسلب والضياع أو الانتقاص من ملامحه المتجددة والفوارة بالعطاء ، علي أيدي أبنائه أنفسهم ، من المترفعين (والمنتخبين) إلي الأبد في (صنميه )لا يمكن الإطاحة بها أو المرور بجوارها إلا بمعجزة !.
ربما يجيء كتاب (غابات الماء.. انطولوجيا شعراء البصرة) كواحدة من الإجابات علي أسئلتنا سالفة الذكر ؛لأنه يمثل مغامرة جميلة وضرورية نحن بحاجة لها ، بعد وقت لفّه التكاسل والتردد ، إن لم أقل الانغلاق النرجسي سيء الطباع أو الانحياز النخبوي والايدولوجي البغيض والقرف الذي من شانه أن يبدد ما نملك من ثروات إبداعية شيئا فشيئا وبطرق لا يفهمها الأبرياء الضحايا أمثالنا ، ولا نعرف مصادرها وأسبابها الملازمة لحياتنا الثقافية والإبداعية علي الدوام وكأنها قدر محتوم !..
البصرة حاضنة الشعر
_غابات الماء _ للشاعر والناقد المبدع علي الفواز, يضم ثلاثة وستين شاعرا بصريا علي اختلاف ميولهم وأساليبهم وأعمارهم , غابات بلا فواصل أو ضغوطات أو وصايا من أي نوع ، وإنما هي "حاضنة مفتوحة علي غابات الشعراء , تلك الغامرة بروح التاريخ وفيوض الدهشة والغموض والسحر ، لا تنتهي عند تخليق مقاربات تضع هذه الانطولوجيا في سياق يشرعن حيوية اختياراتها غير الانتقائية"
نعم إن إعداد انطولوجيا لغابة من غابات الشعر في العراق ومن بينها البصرة ؛ ينطوي علي مغامرة أو كما تقول مقدمة الكتاب "علي خطورة كبيرة ، مثلما يضعنا إعدادها أمام الكثير من المشاكل والتعقيدات تلك التي تبدأ من عقدة الشعور بان البصرة هي حاضنة الشعراء بأسواقها ومغامراتها ومدارسها ، وان هناك الكثير من الأسئلة تطرح عن الكيفية التي يمكن أن تختارها للدخول إلي هذه الحاضنة المفتوحة" ص 6.. لكن ذلك كله لا يمنع من إطلاق الوميض الذي يؤشر لمكان وزمان الهدف الذي سيهتدي ربما من خلاله الآخرون ، وقد نسمع صدي ذلك الوميض في غابات الشعر العراقي واسعة المؤديات ، بعيدة الآفاق.
يشير الناقد المبدع علي الفواز في كتابه الجديد هذا إلي بعض الآليات والإجراءات في الاختيار والتي شكلت الملمح الرئيس لهذه الانطولوجيا ؛ من بينها إخضاع الكثير من المشاركين لمعايير فنية أولا إضافة إلي مراعاة الجانب الإحصائي ولو بشكل محدود ، لا سيما لمجموعات من الشعراء الجدد ، كذلك فان هذه الانطولوجيا حاولت استعراض بعض التجارب الشعرية التي تعبر عن أبرز مراحل وتحولات الشعرية في مدينة البصرة ، فضلا عن استعراض ما تيسر لبعض ملامح التجديد الشعري فيها ، والإشارة إلي بعض الأنماط المغايرة في الكتابة ؛ من خلال اختيار عدد من شعراء التجارب الجديدة في الشعرية العراقية في هذه المدينة التي " تتلمس عبر تشكيلها المائي رائحة الشعر" بتعبير الفواز، مع التأكيد أيضا بان " ليس من مسؤولية هذه الانطولوجيا إبراز هذه التجربة أو تلك ؛ إذ هي تكتفي بالإشارات العامة وليس من مسؤوليتها تحديد طبيعة انجاز هذه التجربة أو تلك أو حتي إخضاعها لمعايير وشروط القراءات النقدية الفاحصة " ص 15.. ولعل خير وصف لمهمة الانطولوجيا هو أنها اقترحت شكلا من أشكال المتحف الذي ينبغي أن نديمه بالإضافة والمتابعة ؛ لكي تتعرف الأجيال علي تراكمات المنجز الشعري ، خارج كل الفرضيات غير الإبداعية والثقافية والإنسانية.
إن مهمة تسليط الضوء علي المنجز الشعري في العراق ؛ كبيرة وعظيمة تتجاوز توثيق وتجميع لأسماء معينة أو نصوص وسير محددة ، إلي ما هو أبعد من ذلك ، لأنها تمثل تقعيدا لفاعلية القراءة العميقة.
كما إنها البوصلة التي تشير إلي ما هو مخفي ومطمور ومهمّش لأسباب شتي ، وهذا ما حصل في مدن ثرية بالإبداع مثلما هي ثرية بالبترول ، الفرق أن البترول يستخرج دائما ويصدّر في كل الظروف والأحوال مهما تعقدت وتشابكت ، بينما الإبداع يراد له أن يطمر ويدفن دائما ، لأنه وكما يبدو يمثل تهديدا مضمرا لرؤوس وأذناب اليباب في كل زمان ومكان في غابات الماء المفتوحة، لأن الشاعر البصري " لا يحب السقوف الثانوية " كما يقول الشاعر علي عيدان عبد الله ؛ وحين يداهم الشعراء الظلام والعطش فيها فإنهم " يشعلون مصابيح الحلم ، يتدفئون بالنسيان ويبللون أصواتهم بمائها " كما يعبر عن ذلك صوت علي محمود خضير .. هؤلاء بحارة أرضيون.. لا يعرفون من الجهات إلا النخيل وحزن الضفاف ، هكذا يصفهم الشاعر ثامر سعيد في _ مجانينه _..

أراهم دائما كما يراهم علي الفواز ربما " ينطلقون بأرواحهم العارية ، يرثون شفرات الماء دائما والحرية والغواية ، يتوهمون بأسرار الخيمياء الشعرية القديمة ، مثلما يملكون رسّا عميقا من جينالوجيا اللغة ، تلك التي تركت علي سحنات وجوههم خطوطا من الشمس " .. لذلك فهم ظامئون حتما _ كما يدل علي ذلك الشاعر عبد السادة البصري - لكنه "ظمأ للوجود.. ظمأ للبوح.. ظمأ للفرح.. ظمأ لكل شيء" هؤلاء العشاق ينتهزون الفرصة كي يتدفقوا في هذيان الوقت ، إنها صورة من بين العديد من الصور التي التقطها لهم الشاعر خضر حسن خلف.. هؤلاء الفقراء أيضا ؛ يدعوهم شاعر آخر دعوة غرائبي مشاكس صائحا بهم "معي أيها الفقراء.. لنهاجم الفردوس" ولعله الشاعر جواد الحطاب الذي يريد أن يرتق الأسوار مع الجميع بسلالم الحماقات الطيبة!
وهناك من يساور نفسه في تلك اللحظة وهو قتيل من أجل _ ايقاظه - ومن ثم - انتقاله _ خلف صباح كسير انه علي باقر الهاشمي بينما صاحب الأنشودة المائية والكونية يصدح حولهم : مطر.. مطر.. مطر!
الجمعة, 20 فبراير, 2009
جريدة الزمان العراقية
18/2/2009
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية









