جريدة القبس الكويتية فتحت بيروت عينيها صباح السبت الماضي على «فتنة» القصيدة. فتنة محببة، تمنحك دفقة من أمل، ومن لون جديد للحياة يبتعد بك عن فتن الطائفية، والحرب، والانفجارات.. فتحت بيروت عينيها على العدد الأول من صحيفة «الغاوون» الشعرية المغامرة. الصحيفة التي لا تريد للشعراء أن يسكتوا.. تأتي لكي تورطهم أكثر في إشاعة الجمال والفن. فتنة جميلة تتغلب على فتن الساسة في مدينة كبيروت «طردت فيها السياسة كلّ ما عداها».
واستهلت الصحيفة عددها الأول بافتتاحية كتبها الشاعران زينب عسّاف وماهر شرف الدين جاء فيها:
«لن يقولوا: كانت الأزمنة رديئة، بل سيقولون: لماذا سكت الشعراء؟»، هذه العبارة التي قالها برتولد بريشت في الزمن الذي أعقب انتصار النازية في ألمانيا، والتي تردّ الاعتبار للشعر ولدوره، هي على قدر كبير من الجنون. جنون الإيمان بالشعر ومركزيته في التغيير.
لكن بهذا الجنون (القناعة) – فقط - تبرز «قيادية» الشاعر. بهذه الأوهام الكبرى ينتصر الشعر. على مثل هذه المعادلة «الضالّة» تبني «الغاوون» فكرتها. تبدأ سيرتها. فإذا اقتنعنا أن الجنون قَدَر الشعراء لا مَرَضهم، فلا بدّ لهم من جريدة إذاً. لا بدّ لهم من مواكبة مستمرّة لهذا الجنون. إصدار جريدة خاصة بالشعر، وفي مدينة كبيروت طردت فيها السياسة كلّ ما عداها، لا يعني -أولاً- تحويل الشعر فعلاً يومياً، قدر القول إنه يحتاج إلى مشاريع أيضاً.
تريد «الغاوون» أن تترك الشعر لمصيره، لتقول له: نحن معك. تريد أن تصدّق أنه وهم، لكن من لحم ودم يجوع ويعرى ويتشرد. وأين؟ في هذه البلاد التي اغتذت من صدره قروناً، وأنجزت أجمل أحلامها على ركبتيه.
الشعر وهم، لكنه وهم قياديّ.
لا قيامة للعرب من دون شعر، لأنْ لا حضارة كانت لهم من دونه.
بشمس الشعر فجر النهضة العربية يكون، وإلا فما تعليل أن عصر الانحطاط العربي كان عصر انحطاط شعريّ أيضاً (واولا)؟
ثمة محاذير بالطبع في مقاربة تدّعي بأن مشروعاً شعرياً خالصاً يمكنه الاستقلال عن واقع سياسيّ متردٍّ. وفي مدينة مثل بيروت هل يمكننا الخروج، في صباح يوم سبقه تفجير إرهابي، بمانشيت يقول: «لأنه ليس ثمة حياة أخرى فإنها حياة رائعة» (بول إيلوار)؟ أو: «الشعر يضرب في قلب بيروت» عوضاً من: «الإرهاب يضرب...»؟
هذا امتحان أكثر منه سؤالاً».
عن مغامرة اصدار جريدة شعر في هذه الاجواء البيروتية القاتمة قالت الشاعرة زينب عساف في تصريح خاص لـ«القبس»: «هل على الشعر ان ينتظر؟ هذا هو السؤال الذي يطرح. واذا كان كذلك فإلى متى؟. ثم اي نوع من الشعر ذاك الذي ينتظر انتظام الظروف والروتين كي يصرخ: «انا موجود!».
بيروت ستظل بيروت المعلقة في فراغها الجميل، المدينة المتأرجحة بين نجمة ومقصلة. لذلك، قد تكون هذه اللحظة هي اللحظة المثالية لولادة قيصرية. نعم، الشعر يحتاج الى عمليات قيصرية احيانا، لانه يخرج من جسد هذه المدينة المتعبة والمثقلة بهمومها السياسية. ثم لماذا لا تكون هناك هموم شعرية ايضا «تواكب» تلك السياسة؟ بمعنى انه آن الاوان لتعلن الثقافة العربية عن ازمتها ولا تترك الميدان لطاحونة السياسة العملاقة وهي تجرش كل شيء.
من ذاك المكان الملتبس، الذي يشبه في سطوعه وغموضه الشعر ولدت «الغاوون». هي مغامرة طبعا. لكن، منذ متى يطالب الشعر بكفالات؟ او يفتح عند كل قفزة مظلة النجاح؟.
وضمّ العدد مواضيع عديدة، في تبويب خاص وفريد، منها: «إنهيدوانا سركون الأكدي: أول شاعرة في العالم» لكامل جابر، «شعراء الملك فاروق» لأحمد حسن، «غياب جسد الرجل عن شعر المرأة» لمحمد ديبو، «اكتشاف قصيدتين مجهولتين لأحمد عبد المعطي حجازي» لوائل السمري، «القصائد (الرسوم؟) المتحرّكة» لمحمد بركات، «الكراريس الشعرية في المغرب» لعبد الغني فوزي، «الشعراء المغاربة الجدد: جيل المشيتَيْن» لمنير بولعيش، «كيف يعيش شعراء البصرة» لعلي محمود خضير، «عن صلاح جاهين وتحويل الغزل إلى شعار يؤسّس لسلطة الإثارة - الثورة» لنصر جميل شعث، «الشعر لا يلمع مع معجون الحلاقة» لحكيم عنكر، «عدم الثقة بالآباء» لعبد الوهاب عزاوي، «عن تسليم الشعراء وزارات الثقافة» لعلي حسن الفواز... وفي زاوية حملت عنوان «عمود أفقيّ» كتب شوقي عبد الأمير «أي أثر ستتركه أسماؤنا؟».
ومن القصائد المنشورة في العدد: «ملاك» لقاسم حداد، «طفلة مقطوبة العينين» لنوال العلي، «ظلّ غورنيكا» للينا أبو بكر، «مصابيح الصيّادين» لكمال المهتار، «الصورة القديمة» للميس سعيدي، «العالم لم يعد يحبّني» لتغريد الغضبان.
جدير بالذكر أن «الغاوون» صحيفة أسبوعية، لكنها ستصدر مبدئياً بشكل شهري، وتتألف من 24 صفحة، قام بتصميم صفحاتها الفنانة عبر حامد، ورسم شعارها الفنان إميل منعم.
الاربعاء, 05 مارس, 2008
<<الصفحة الرئيسية









