علي محمود خضير
لاحلامنا جوائز الخذلان
.
.

شارع يتثاءب من حكايات الماضي البعيد

الشاعر لا يتقن الهروب من الحزن ، حتى في اللحظات السعيدة

 

جريدة الزمان العراقية 

امجد صلاح

 
 

 غالباً ما نتذوق نكهة الدموع والألم في نصوص شعراء عاشوا ويعيشون في ظل ظروف أقل ما يقال عنها إنها جيدة من نواحٍ قد تشكل عاملاً مؤثراً بشكلٍ بارز في تكوين شخصيتهم الإنسانية والشعرية والتي تستند بشكلٍ أساسي الى الحالة النفسية المتأتية كنتيجة لتلك الظروف ، فالشاعر لا يتقن الهروب من الحزن حتى في اللحظات السعيدة . كيف اذاً بشعراء يرزحون تحت وطأة ظروف اقل ما يقال عنها انها سيئة ؟ . الشاعر العراقي اليوم يعيش حالة من التمزق الوجداني نتيجة لما يراه ويسمعه من حوله من قصص القتل والتشرد والخوف والجوع وما الى ذلك من امور تساهم مساهمة فعالة في خلق النص الجريح المعبر عما بداخل الشاعر من ألم عميق هو رد فعل طبيعي لكل انسان يتعرض لما تعرض له الانسان العراقي

من هنا يأتي نص الشاعر علي محمود خضير (( شارعنا )) متخماً بالحزن واليأس والإحباط المتولد نتيجة لرحلة الشاعر المنحصرة ضمن المسافة المتشكلة بين أحلامه وبين شارع منطقته والتي يراها كبيرة نظراً للحالة البائسة التي يعانيها ذلك الشارع متمثلة بحزن وإهمال وركود وكسل وأساطيرٌ طالما كانت لها اليد الأطول في البطش بالشارع وتشويه جمال وجهه المفروض ، أساطيرٌ يرى بأنها مصرة على أن تتدخل في حياة ابناء الشارع او يدخلوها هم في حياتهم دون أي محاولة لمحو ﺁثار الماضي عن المستقبل وتجديد معالمه ، وهنا يتحفنا الشاعر بإلتفاتة ذكية عندما يطلق على ذلك المستقبل تسمية (( الماضي القادم )) .

كبيرة هي المسافة
بينَ أحلامي وشارع منطقتنا
شارعنا الذي تناوله التثاؤب،
الحزن، والإهمال
وتراكمت عليه قصص وحكايات الماضي البعيد،
الماضي القريب
والماضي القادم!

يستطرد الشاعر في وصف ذلك الشارع الذي اصبح محور قصيدته والذي لم يزل مذعناً لكل ما يلاقيه من اذىً واهمال وذلك بتخليه عن كل وسائل الرفض والتذمر ومنها البكاء ، البكاء الوسيلة الأضعف إيماناً للتعبير عن الإحتجاج تخلى عنها ذلك الشارع والتجأ الى الصمت والصبر رغم ما عانى ابناءه – الرافضون لواقعهم على الأقل – من تدمير واهمال لأفراحهم وأحلامهم ، لم يهزه شيء من ذلك وأصر على موقفه المتسم بالصمت والصبر .. والإنتظار . إن الإنتظار لا يتحقق الا بوجود شيء منتظر – بالفتح – إلا إن الشاعر عمد هنا الى جعل ذلك المنتظر مجهولاً بإنهائه المقطع الاول من النص بالفعل المضارع (( ينتظر )) دون أن يعقبه بمفعول به مشيراً الى تقبل الشارع لكل منتظر – بالفتح – أياً كان ومهما كان

شارعنا الذي أصبح لا يبكي!
المنخور من كل الزوايا
لا يزالَ صامتاً
صابرا.ً

شارعنا.. تكسرت افراحنا عليه
رمينا مع نفاياته
أحلامنا المعلبة!
لازال هناك
كما كان دائماً
هادئاً.. صامتاً.. يتثائب
وينتظر!

 

يعود الشاعر الى ذكر المسافة التي يدور فيها ويرى بأنها تزداد كبراً بمرور الايام ، تلك المسافة المعبرة عن التنافر بين واقعنا المرير – شارعنا – وبين طموحاتنا في حياة راقية وواقع جميل –أحلامنا – وهو تنافر يشتد مع ازدياد رداءة الشارع وازدياد كبر الأحلام

 

في كل يوم

تكبر المسافة بين احلامي وشارعنا

تسوء العلاقة بينهما

 

ولكن أيدعو ذلك التنافر الشديد الى الاستسلام ؟ أيدعو الى أن نرجح الكفة لرداءة الواقع ؟ الشاعر يقول نعم

 

واعلن استسلامي

وتنازلي عن احلاميّ القديمة

 

في هكذا حال ، من الطبيعي أن يجتاح الضجر الانسان حين يرى نفسه مستسلماً متنازلاً ، إلا إن الشاعر وقع في خطأ عند رسم صورة ذلك الضجر وهو يجتاحه حيث يمضي قائلاً :

 

والرضا

بتوقيع اتفاقية هدنة مع الضجر

 

ان اتفاقية الهدنة حين يتم توقيعها بين طرفين فمعنى ذلك أن لا يمس احدهما بالاخر او يعتدي عليه وهذا ما لا يقصده الشاعر ، في الواقع ان الشاعر أنهى اتفاقية الهدنة مع الضجر عند استسلامه وتنازله عن احلامه .

ويسترسل الشاعر في الحديث عن ذلك الشارع الذي تكرر ذكره لثمان مرات خلال القصيدة مما جعله جديراً بأن يكون عنواناً لها فهو اللفظة الأكثر تكراراً في النص وعليه ترتكز الفكرة الأساسية للقصيدة ، يسترسل بوصفه ولكن بشكلٍ مختلف هذه المرة ، فالشارع أصبح معلماً هنا يعلم (( الجوع والخوف والبكاء والهروب )) وتلك حالات نجح الشاعر في ترتيب تسلسلها وجعل كل واحدة منها نتيجة وما قبلها سبباً .

شارعنا الذي علمني

الجوع ..

الخوف ..

البكاء ..

والهروب ..

شارعنا المعلم ..

يعرفُ وجهيّ جيداً

ولا زلتُ رغم كل سنيني معه

لا أعرفه

 

المعلم يعرف وجه تلميذه والتلميذ لا يعرف وجه معلمه ، وهذا مغاير للمألوف اذا كان الكلام ظاهر المعنى ، أما في النص الشعري فالكلمات قد تكون رموز ، وهذا بالضبط ما يحصل هنا ، المعلم هو الشارع والشارع هو الواقع والتلميذ هو الشاعر والشاعر هو الانسان ، اذن هي علاقة انسان بواقعه ، قد يكون الواقع غامضاً او غير غامض بالنسبة للانسان ، ولكن هل يكون الانسان غامضاً او غير غامض بالنسبة للواقع ؟ هذا رمز اخر في النص ، وتفكيكه يعتمد على احتمال رؤية الشاعر للواقع على انه مجاميع من الاشخاص الذين يعرفونه وينكرهم.

هذا الواقع المنكر ، لا يزال الشاعر يرقبه متطلعاً الى استكشافه وفهم معانيه واستيضاح غموضه ترقباً متوجساً قلقاً كترقب (( طفل ضائع )) فتأتي ردة فعل الواقع باعثةً للرعب ﺁمرةً بالإحجام.

 

ما زلت أرقبه كطفل ضائع

 

وكم هو صعب

أن تصرخ في طفل ضائع

 

وفي النهاية ، يتحدث الشاعر عن امتلاء ذلك الشارع الدائم (( بالمطر ، بالحزن ، بدموعنا ، وحتى بدمائنا )) ويعمد الى استخدام ازدواجية لغوية تحقق معنىً متضمناً لرؤية متألمة تنبيء باحتمالية استمرار المعاناة والاحزان المتمثلة بالصورة المأساوية للشارع وعدم التخلص حتى الان من المصدر المولد لتلك الصورة .

 

شارعنا الفائض دائماً

بالمطر !

بالحزن !

بدموعنا !

وحتى بدمائنا !

لم يجد من يصرف الفيضان عنه

ولم نجد من يوقف النزف فينا
 
 
رابط المقال في الجريدة

حمل صفحة المقال بهيئة pdf

<<الصفحة الرئيسية


.
.
Google