الفجيعة خيمت كأحساس متناه بالوجع ، في مساء بصري ثمل بالحزن ، الرجوى المتاخرة دوما اللحاق بساعي بريد الموت ، ان يمهل الزمن حافلة المغادرين الى لا عنوان يدل على مكان ، ايام قليلة ، حتى يتراقص صبية غمروا عالمهم بالشعر ، فغمرهم بالخيبات ، محتفلين ، بقديس الفوضى سركون بولص ... نادي الشعر في البصرة ، الرافض ابداً للهجرة من كونه الكوني " الحياة " ، تقلد ان لا يحتفي ابداً بالاموات ، فليست ثمة خيانة للشعر و للأطفال سوى الموت ، حين كان قديسنا يتهاوى كالصقر في سان فرانسيسكو ، كنا نلهث كما اليتامى للاطمئنان على صحته ، وليس ثمه ساعي بريد امين سوى منفي عراقي اخر في هيروشيما المقدسة وهو " باسم فرات " ، كان دائما يبرق عبر عنكبوت الواقع الافتراضي ، سركون مبتهج من اجلكم ، فرحٌ جداً ، باحتفائكم ، لكن له رجاء في ان تمهلوه قليلاً ، ( عظمة اخرى لكلب القبيلة ) سيبصر بينكم ، منيته ان تحتفوا به متجدداً ... يا لمجدك بولص ،،، نحتفي بأهم سفر لك ، صغارك المعذبون في ارض السيد امريكا ، يحتفون بك ، لذا تأجل موعدنا ، و اخفق هذه المرة ( خالد المعالي ) في احتساب زمن الصمت و القسوة ، عرافاته لم يخبرنه ان ذو المنجل الفاسشتي النازي اللعين يتربص بقديسنا. فلا نحن تعمدنا بمائك بولص ، ولا انت رميت العظمة حقاً كما كنت تريد ، و لا برلين تخلت عن قساوتها المعتادة ، و لا مناديمك تحلو بسرعة البديهة ، واختطفوك الى بيروت ، لتغتسل من الامك.الموت لا يؤجل مواعيده ، و القوافل لا تستحي أله مدينة اين المنسية. في مساء كئيب وموحش ، في البصرة الحرام ، بينما الصمت يغلق الابواب خلفه ، شيع نادي الشعر قربانه في حضرة بولص التقي ، و سرنا بالجنازة حتى بلغت العيون المحاجر ، واستنزف الوقت مداه ، والصق المعزون وجوهم على نوافذ العربة الملكية وهي تزف اليك بشرى ، الا انت بولص لن تموت. عند الرابعة و النصف من مساء الاثنين 5/11/2007 ، كنا جميعاً في نادي الشعر ، بل كي نكون منصفين ، كانت البصرة الحرام بشطها الخرافي ، بحضرة القديس سركون بولص.نؤبن فقيدنا الخرافي بلوعة الذي فقد بكارته الشعرية ، على قاعة القاص محمود عبد الوهاب في اتحاد الادباء والكتاب في البصرة ، الذي نتمنى ان لا نؤبنه.كان في عرافة الاحتفاء الجنائزي المتأخر ، الشاعر احمد السليطي الذي اضفى على الجلسة مناخاً من الرغبة في البكاء. القاص نبيل جميل ( حارس المزرعة ) ، أنشد قصائد للقديس الراحل سركون بولص من مجموعة ( عظمة اخرى لكلب القبيلة ) بين مساهمة و اخرى ، تلاه رئيس نادي الشعر الشاعر مسار رياض بكلمة مقتضبة للنادي مليئة بالوفاء للشعر ، عنونها بـ نادي الشعر في حضرة سركون بولص : ((نعم , رحل بولص الى حيث كان يتنبأ , ربما , وحضرنا نودع طيفه الوردي ونستعير شعره الاشيب الذي كان يشبه احلامه وشعره الذي ظل يبحث في الذات عن صداها. نسجل حضورنا مع سركون لنقول أننا كسبنا جذرا شعريا جديدا عسى ان يورق فينا غصنا ذهب جذعه مع الريح ولكنه ذهب على طريقة شط العرب لا على طريقة مرغريت ميتشل. كان سركون يتوزع بين الشاعر والشاعر كأمتداد طبيعي لدورة نضج الانسان , إذ ان الذات الشاعرة هي ارقى مراحل الاحساس بالوجود , هذا الاحساس الذي ربما اجهد فقيدنا واودى به لرحيله البرليني الاخير. استرح يا سركون... فقد استقرت سفينة خيالك على الجودي وقيل للقلم أن يبلع ريقه و للزمن ان يقلع عن القطف )). بعدها اشار السليطي ، ان من يرثي اليوم سركون من لا نريد رثائه يوماً ما ، فانشد الشاعر و الناقد ( صفاء.أ.خلف) مرثية عنونها بـ (سركون بولص ..القديس رحل دون ان يعمدني بخطاياه ) : ((تسمرني على صليبك وترحل !! هل هذه عدالة منك سركون ؟ اية غواية تلك التي جررتني اليها ، كالمأخوذ بكأسه. من يصنع الفوضى في عالم صارم يتهم بالكفر في بلادنا النائية .. لا أضنك تعرف الطريق اليها لكنك عرفته جيداً الى الموت.. هل تراك الان محتفلاً بخطاياك هناك ؟ لا اظنك سعيداً بما فيه الكفاية لتراقص زنجية مخمورة على قارعة طريق نسيمي مشبوه باتجاه بابل!!. لا احسبك تعتمر الحزن – كما أنت دائماً – لتكتب قصيدة !!. بعدها وفد الشاعر علي محمود خضير ، ليلقي مرثية ( الموت لا يؤجل مواعيده ) بحق سركون جاء فيها : (( سأعترف اني تعرفت عليه متاخراً ، وهذا ليس ذنبي او ذنبه ، بل ذنب زماننا الرديء الذي جعل من سركون بولص المسافر ابداً ، اتسائل لو وجدنا في اوطاننا الحلم ، هل كنا نغادرها؟. لا اعرف لما فاجئني الخبر حد الصدمة ، رغم علمي انه يحتضر في برلين منذ اكثر من شهر ، ما يشدني في سركون ، تواضعه ، ورغم كل ما عنده من اسباب الغرور ، تراه يتناساها ويبدأ من جديد كأي شاعر شاب يبتدئ خطواته الاولى. " رحلة صيد طويلة "هكذا ينظر للشاعر و للقصيدة ، صبره المفرط على النص / على النشر ، تركنا مع ستة مجاميع شعرية و عشرات القصائد لم تجمع في كتاب. ها أنت اخيرا تريح جسدك المرهق – لاول مرة – مذ غادرت كركوك ، ها انت تغمض عيناً عن كل الدروب و الفنادق و الحانات و المطارات التي ستتذكر عينيك القلقتين ، ستتذكرهما جيداً )). وقرا عدد من اعضاء نادي الشعر في البصرة عدداً من المقالات التي كتبها ادباء كبار و مجايلين و مريدين لبولص نشرت على الانترنت ، في محاولة لتجسير الالم بضياع سركون. و تلا الشاعر سلام الناصر نصاً شعرياً اهداه الى روح بولص ، بعدها توافد المثقفون و الشعراء على تأبين القديس بكلمات مقتضبة معبرة عن حزنهم العميق لرحيله ، كان ابرزها كلمة رئيس اتحاد الادباء و الكتاب العراقيين في البصرة ، الشاعر علي نوير : (( من المفارقات المؤلمة ان يسارع نادي الشعر الزمن كي يحتفي به لكن الموت لم يمهلهم سوى تابينهم ، و المفارقة الاخرى ان بولص كان قاصاً رائعاً ، كنا نقول ان محمد خضير و سركون بولص فرسا رهان القصة العراقية الحداثية ، لكن ربحه الشعر وخسرته القصة ، اننا اليوم نودع قامة شعرية كبيرة أثرت في مجرى الشعر العربي و خلف بصمة في الشعر العراقي)). لم يرحل سركون ، هكذا اختتم السليطي جلسة التأبين المرة ، كان اجمل ما في الاحتفاء هذا كله ، ان شبابا عراقياً مطرودا ومشرداً و منفياً في وطنه ، احتفى بسركون رغم بعد المسافات ، رغم ان زمن سركون يبعد عن زمانهم كثيراً ، لكنهم ظلوا اوفياء جداً ، لسركون... ارجوكم لا نريد ان نؤبن قديساً اخر ، كفانا موتاً.

.
.
السبت, 17 نوفمبر, 2007
البصرة/ خاص
<<الصفحة الرئيسية
.
.








